عبد الله الأنصاري الهروي
110
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
وأمّا قطع الالتفات إلى المقام الذي جاوزه ، فهو أن لا تشتغل باستجلاء علوم ذلك المقام واستحسانها ، بل يعرض عنها بالإقبال على اللّه تعالى ليحصل الأدب والزيادة . وقد قيل : إنّ الفقير لا ينظر إلى وراء ، ولا يسمع النداء من خلف القفا . وأمّا إبقاء العلم يجري مجراه ، فهو أنّ العارفين تتعيّن لهم أحكام أخرى في العلم ، يطلعهم اللّه تعالى على أنّها مقصود الشّرع حقيقة ، فيريد بعضهم أن يطلع النّاس عليها ، فيعاقبهم مشايخهم على ذلك ، ويرون أنّه سوء أدب حين صرّحوا بما لم يصرّح به الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم . ولمّا كان حسم التفرّق صعبا ، سمّي تعاطيه رياضة ، وكذلك قطع الالتفات وإبقاء العلم أيضا صعب على أهل المعارف ، لأنّ الحال يغلبهم فيشطحون بالقول ، وقد نرى أنّ حفظ السرّ يغلب كثيرا من عقله حاضر ، فكيف من استولت على عقله بوادي الحقيقة ، فهو إلى أن ينسى التحفّظ من النّاس أقرب ، لأنّه قد ارتاض في قطع الالتفات عنهم ، حتّى كاد أن ينسى وجودهم ، فضلا عن مراعاة خواطرهم ، هذا مع ما يشغله من سلطان الواردات وتلوينات الأحوال ، فيراد لأجل ذلك منه التيقّظ لأدب كتمان سرّ الحقيقة ، وأن لا يعارض بها العلم ، بل يتركه يجري مجراه كما قال الشيخ . وصيّة : ينبغي في حسم التفرّق أن يبالغ فيه بجمع القلب عمّا سوى اللّه تعالى ، ولا يقع بما دون ذلك ، وينبغي في قطع الالتفات ألّا يلتفت إلى أشرف رتبة عند اللّه ينالها المقرّبون ، فكيف إلى ما دون ذلك ، بل